ريديت_حسام

أخيراً اكتشفت زرار يسكت سيرجي!

Hossam Ramadan لا تعليقات
أخيراً اكتشفت زرار يسكت سيرجي!


اسمي أليكس، وكنت بشتغل من حوالي خمس سنين في محل صغير لصيانة الأجهزة الإلكترونية. المحل ده كان فيه كل حاجة ممكن تتخيلها أو عمرك ما شوفتها في حياتك. كمبيوترات، شاشات، طابعات، وأجهزة قديمة أصحابها رافضين يعترفوا إنها ماتت من عشر سنين.

بس أغرب حاجة في المحل مكنتش الأجهزة. كانت مديري .. سيرجي.

سيرجي كان عنده موهبة نادرة جدًا، إنه يقدر يتكلم بثقة مطلقة في أي موضوع، حتى لو مش فاهم فيه أي حاجة خالص.

يعني ممكن تكون واقف قدام جهاز أنت فكيته وركبته عشروميت مرة، وييجي سيرجي بكل ثقة يقف جمبك، يحط إيده في جيبه، ويبص للجهاز كأنه بيكشف على مريض، ويقولك: "أنا شايف إن المشكلة في الكهرباء."

"بس الجهاز مش متوصل بالكهرباء أصلًا."

يرد: "أهو ده اللي أنا بتكلم فيه."

وخد من ده كتير بقى، كل حاجة عنده مشكلتها كهرباء. تقريباً وهو صغير كان في حد بيمسكه سلك عريان أو بيحطهوله فـ ..

بس ما علينا .. احنا، أنا وزمايلي يعني، اتعودنا على طريقته دي خلاص، فبقى يقول تعليماته، وإحنا نهز دماغنا ويكأننا موافقين، وبعد ما يمشي نصلح الجهاز بالطريقة اللي المفروض يتصلح بيها. الطريقة الصح.

لحد ما في يوم جالنا عميل بطابعة صناعية ضخمة. طابعة مكنتش من النوع اللي بتحطه جنب الكمبيوتر على المكتب. لا دي كانت حاجة كده عاملة زي الدولايب القديمة .. ماكينة تقيلة، وقطع غيارها نادرة، ومفيش عنها معلومات كتير ولا كتب تعليمات.

بس أنا كنت اشتغلت على النوع ده قبل كده، وعارفه. فحصتها، واكتشفت إن المشكلة بسيطة نسبياً. ترس في آلية سحب الورق محتاج يتنضف، وسير الحركة مستهلك ومحتاج يتغير، وتنضيف سريع نروق بيه على الماكينة كلها.

حسبتها في دماغي. فك، وتنضيف، وتغيير قطع، وتجميع، بنتكلم في بتاع خمس ساعات بالكتير.

روحت لسيرجي وقلتله أني فحصت الطابعة والمشكلة ميكانيكية. محتاجين ننضف ترس ونغير سير، ونقدر نسلمها النهارده على آخر اليوم.

سيرجي بصلي شوية، ضيق عينه، وابتسم وبعدين قال: "لأ"

مفهمتش فقلتله: "لأ إيه؟"

قالي: "أنت مشخص المشكلة غلط." 

حاولت أرد فشاورلي بإيده يقاطعني وكمل بمنتهى الثقة: " الطابعة دي مشكلتها في الكهرباء."

رديت وأنا بحاول اكتم غيظي: "بس أنا فحصت الطابعة كويس، وفي ترس واقف فعلًا والـ ...."

قاطعني تاني وهو بيراجع أوراق قدامه على المكتب معرفش فيها إيه: "أنت صغير ولسه خبرتك قليلة. لازم نفحص البوردة كلها."

حاولت أشرحله إن البوردة سليمة، والموتور شغال، والعطل واضح قدامنا، لكنه اتعصب، ورمى الورق اللي كان بيراجعه، واللي أخدت بالي أنه مجرد ورق أبيض فاضي، وقال الجملة اللي غيرت مسار اليوم كله: "أنا المدير هنا. هتعمل اللي بقولك عليه بالحرف، وإلا تروح بيتك دلوقت"

سكت، وبصيت للطابعة اللي في الساحة بره مكتبه، ورجعت بصيت لسيرجي وقلتله: "حاضر. زي ما حضرتك تقول."

بس المرة دي، قررت إني مش هعمل زي كل مرة، مش ههز دماغي وأصلحها بالطريقة الصح زي ما اتعودت. لأ.

أنا المرة دي فعلاً هسمع كلام سيرجي .. بالحرف.

جبت أجهزة قياس الكهرباء، وبدأت أفك الطابعة، مش بس الغطا الخارجي مكان تصليح السير والترس اللي محتاج تنضيف. لا أنا فكيت كل حاجة ممكن تتفك عشان أوصل للدوائر الكهربائية والبوردة الرئيسية.

وبدأت أقيس، وأكتب النتائج، وأصور.

عملت ملف بوثق فيه كل خطوة، كل سلك ومقاومة وترانزستور، أصوره واكتب القراية.

كل دائرة أفحصها، أكتب عنها تقرير. كل جزء أفكه، أصوره قبل وبعد.

زميلي مايكل عدى عليا بعد كام ساعة لقى الطاولة قدامي عبارة عن فوضى وأوراق وصور وقطع مرمية في كل اتجاه. سئلني وهو رافع حواجبه مستغرب: "أنت لسه مخلصتش؟"

رديت ببساطة: "بفحص البوردة."

قال وعينيه على الملف والورق اللي قدامي بقى ارتفاعهم ولا المراجع: "أنت مش قلت المشكلة في السير وترس باين؟"

"أيوة قلت"

"أومال بتعمل إيه، وإيه الورق ده والصور دي كلها .. أنت بتعمل إيه؟"

ابتسمت ورفعت عيني "بنفذ تعليماته .. تعليمات سيرجي"

بصلي ثانيتين بيحاول يفهم، وبعدين ابتسم وسابني ومشي، تقريبًا فهم الخطة.

خلص اليوم الأول، والطابعة لسه متفرفتة حتت قدامي، تاني يوم كملت الفحص وتكديس الورق في الملف.

كل شوية سيرجي يعدي ويسأل: "خلصت؟"

أرد من غير ما ابصله: "لسه. حضرتك طلبت فحص كامل."

يرد بصوت متوتر "طب أسرع، العميل متنرفز وبيشتكي من التأخير."

"بحاول، بس لازم أتأكد من كل حاجة."

يومين كمان، يعني أربع أيام عمل، كنت خلصت فحص .. الطابعة سليمة تماما، مفيش أي حاجة لا في البوردة ولا الدوائر الكهربية، كلها سليمة.

جمعت النتائج في التقرير اللي بقى أقرب لكومدينو صغير، مليان صور وورق ورسومات وقياسات، ورحت بيه لمكتب سيرجي.

حطيت الملف قدامه، وقلتله: "اتفضل. خلصت الفحص وده التقرير النهائي."

بص لملف الضخم وهو فاتح بوقه مش مستوعب وقالي: "إيه كل ده؟"

"تقرير فحص البوردة والدوائر الكهربية."

"كل الورق والرسومات والتخطيطات دي عشان بوردة؟"

"حضرتك طلبت فحص كامل."

قلب في الورق شوية، وبعدين سألني: "يعني لقيت المشكلة؟"

"أيوه."

وشه نور وسند ضهره على الكرسي: "كنت عارف! فين بقى العطل الكهربائي؟"

"مفيش عطل كهربائي."

أتوتر ورجع يبص للورق، فكملت: "البوردة سليمة والدوائر الكهربية مافيهاش أي مشكلة."

قالي وهو بيقوم من على مكتبه عشان يواجهني: "يعني إيه؟"

"يعني تأكدنا إن المشكلة مش في الكهرباء."

رجع يبص للورق وهو مش فاهم: "أومال فين المشكلة؟"

"في الترس والسير. زي ما قلت لحضرتك من أربع أيام."

وسكتنا إحنا الاتنين. أنا مستني التعليمات. وهو باصص للتقرير، بيقلب في الورق والرسومات، ويحاول يفهم.

وبعدين سألني: "يعني أنت ضيعت أربع أيام شغل عشان تثبت إنك صح؟"

"لأ يا فندم. أنا قضيت أربع أيام بنفذ تعليمات حضرتك."

-------------------

في نفس اليوم جمعت الطابعة، ونضفت الترس وغيرت السير، وخلصت التصليح، والعميل جه واستلم الطابعة وكان مبسوط إنها رجعت تشتغل. 

لكن سيرجي مكنش مبسوط.

اتضح إن العميل يقرب لصاحب المحل وبينهم صلة قرابة ما، وطبعاً بلغ استياءه وغضبه من طول فترة الصيانة لقريبه، وطبعا اللي اتهزق وسمع سلام مربع وزفة اسكندراني في التليفون على التأخير ده كله كان سيرجي. وشه كان شبه الطمطماية المفعصة وهو بيسلم الطابعة للعميل ويعتذرله.

بعد الموقف ده، سيرجي حاول يتدخل تاني في شغلي في أكتر من مناسبة، بس كل ما كان يبدأ يديني تعليمات وإرشادات غريبة، كنت أبصله وأسأله بهدوء: "تحب حضرتك نفحص المشكلة فحص كامل وأقدملك تقرير زي بتاع الطابعة؟"

فيبصلي لثواني .. ويسكت .. مكنش بيرد خالص، ويسيبني في حالي ويمشي. 

ده تقريبًا كان أعظم إنجاز مهني حققته في المحل ده. مش إني صلحت طابعة صناعية قديمة مكنش حد عارف طريقة تصليحها. لا

إني أخيرًا اكتشفت زرار بيخلي سيرجي يسكت وما يتدخلش في شغلي اللي هو أساساً ما بيفهمش فيه حاجة.


شارك التدوينة

كتبها

Hossam Ramadan

Ahlawy | Social Media Manager | Professional copy writer with broad-ranging experience in many types of Arabic content.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

ابحث في المدونة